محمد بن جرير الطبري

75

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ثنا عبد الرحمن بن سعد وابن أبي جعفر عن أبي جعفر ، عن الربيع : فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً قال : الجنف : الخطأ ، والإِثم : العمد . حدثنا عمرو بن علي ، قال : ثنا خالد بن يزيد صاحب اللؤلؤ ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس ، مثله . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا قبيصة ، عن سفيان عن أبيه أبو سفيان ، عن إبراهيم : فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً قال : الجنف : الخطأ ، والإِثم : العمد . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا فضيل بن مرزوق ، عن عطية : فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً قال : خطأ ، أو إثما متعمدا . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق قال : ثنا عبد الرزاق ، عن ابن عيينة ، عن ابن طاوس ، عن أبيه طاوس : فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً قال : ميلا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : جَنَفاً حيفا ، والإِثم : ميله لبعض على بعض ، وكله يصير إلى واحد كما يكون عفوا غفورا وغفورا رحيما . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : الجنف : الخطأ ، والإِثم : العمد . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : ثنا الفضل بن خالد ، قال : ثنا عبيد بن سليمان ، عن الضحاك ، قال : الجنف : الخطأ ، والإِثم العمد . وأما قوله : إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فإنه يعني : والله غفور رحيم للموصي فيما كان حدث به نفسه من الجنف والإِثم ، إذا ترك أن يأثم ويجنف في وصيته ، فتجاوز له عما كان حدث به نفسه من الجور ، إذ لم يمض ذلك فيغفل أن يؤاخذه به ، رحيم بالمصلح بين الموصي وبين من أراد أن يجيف عليه لغيره أو يأثم فيه له . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ يعني الله تعالى ذكره بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله ، وصدقوا بهما وأقروا . ويعني بقوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ فرض عليكم الصيام ، والصيام مصدر من قول القائل : صمت عن كذا وكذا ، يعني كففت عنه ، أصوم عنه صوما وصياما ، ومعنى الصيام : الكف عما أمر الله بالكف عنه ؛ ومن ذلك قيل : صامت الخيل إذا كفت عن السير ومنه قول نابغة بني ذبيان : خيل صيام وخيل غير صائمة * تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما ومنه قول الله تعالى ذكره إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً يعني صمتا عن الكلام . وقوله كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ يعني : فرض عليكم مثل الذي فرض على الذين من قبلكم . ثم اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله بقوله : كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وفي المعنى الذي وقع فيه التشبيه بين فرض صومنا وصوم الذين من قبلنا ، فقال بعضهم : الذين أخبرنا الله عن الصوم الذي فرضه علينا أنه كمثل الذي كان عليهم هم النصارى ، وقالوا : التشبيه الذي شبه من أجله أحدهما بصاحبه هو اتفاقهما في الوقت والمقدار الذي هو لازم لنا اليوم فرضه . ذكر من قال ذلك : حدثت عن يحيى بن زياد ، عن محمد بن أبان ، عن أبي أمية الطنافسي ، عن الشعبي أنه قال : لو صمت السنة كلها لأَفطرت اليوم الذي يشك فيه فيقال من شعبان ويقال من رمضان ، وذلك أن النصارى فرض عليهم شهر رمضان كما فرض علينا فحولوه إلى الفصل ، وذلك أنهم كانوا ربما صاموه في القيظ يعدون ثلاثين يوما ، ثم جاء بعدهم قرن فأخذوا بالثقة من أنفسهم فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما ، ثم لم يزل الآخر يستن سنة القرن الذي قبله حتى صارت إلى خمسين ، فذلك قوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وقال آخرون : بل التشبيه إنما هو من أجل أن صومهم كان من العشاء الآخرة إلى العشاء الآخرة ، وذلك كان فرض الله جل ثناؤه على المؤمنين في أول ما افترض عليهم الصوم . ووافق قائلوا هذا القول لقائلي القول الأَول أن الذين عنى الله جل ثناؤه بقوله : كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ النصارى . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط عن السدي : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أما الذين من قبلنا فالنصارى ، كتب عليهم رمضان ، وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم ، ولا ينكحوا النساء شهر رمضان . فاشتد على النصارى صيام رمضان ، وجعل يقلب عليهم في الشتاء والصيف ؛ فلما رأوا ذلك اجتمعوا فجعلوا صياما في الفصل بين الشتاء والصيف ، وقالوا : نزيد عشرين يوما نكفر بها ما صنعنا . فجعلوا صيامهم خمسين ، فلم يزل المسلمون على ذلك يصنعون كما تصنع النصارى ، حتى كان من أمر